13/02/2011

ملخص لندوة التاسع من شباط التي شاركت فيها مع عدد من الضيوف والتي أقيمت في نادي الصحافة الفرنسية. كنت قد تطرقت إلى العلاقة المترابطة ما بين الأنظمة القمعية وانتشار رقعة الإسلاميين في الدول العربية، بالإضافة إلى قدرة هذه الأنظمة على إيهام الغرب بأهميتهم في التصدي للحركات الأصولية الإسلامية.

لا شك ان هناك أسباب عديدة سمحت للأصولية الوهابية القادمة من المملكة السعودية بالتوغل في نسيج المجتمعات العربية التي تعاني من فقر وعطالة وفساد حكومي واضطهاد الفرد لتأطيره وتهميشه. حيث استفادت هذه الحركات الأصولية من حالة الاختناق التي تعاني منها هذه المجتمعات. وهنا علينا التنويه إلى حالة “الفراغ الثقافي” الذي استطاع أن يمتد إلى أطياف المجتمع. فبعد قيام الأنظمة العربية القمعية باضطهاد مثقفيها و”شيطنتهم”، تمكنت من خلق هوة ما بين الشارع وقادة الفكر فيه، ليسجنوا أنفسهم (أي المثقفون) داخل أسوار “غيتو” نخبوي، لتنشأ قطيعة بينهم وبين الشارع بشكل كامل.

لا بد من الإشارة ان حالة من الاستعصاء اللغوي ناتجة عن استخدامات لغوية نخبوية تشكل سبب إضافي لهذه القطيعة، فهذه النخبوية اللغوية تفتقد إلى صور عقلية يمكن تصورها من قبل عموم المجتمع. سلط علم النفس أضواءه على هذه الظاهرة التي أصبحت تعرف ب”العقدة المستقلة” والتي تنشأ من خلال تحول الأفكار إلى عقد مستقلة ليتم استيعابها من قبل الأفراد، فمن ناحية عصبية_نفسية، لا تستطيع أية فكرة التأثير على الأفراد إلا من خلال الوسيط الحسي، لتتحول الأفكار المجردة إلى تصورات محسوسة، لتنشأ عنها تجربة نفسية يكون لها تأثير فعال على الحياة العقلية للأفراد.

اعتماداً على مثال التجربة التونسية في ثورتها والتي قام بها الجيل الشاب بشكل عفوي، علينا الرجوع قليلاً إلى سنوات ماضية، لنجد أن هذه الانتفاضة التونسية لم تكن وليدة اللحظة ولا وليدة حرق “البوعزيزي” لنفسه، بل جاءت في ظروف حالة تأجج نفسي دفعه للذروة الفعل البوعزيزي.

نعلم أن هذه الانتفاضة ما كان لها أن تستمر لولا تضافرعوامل كثيرة، منها تقنيات الاتصال الحديثة، ناهيك عن وجود حركة شبابية (تكريز) احداها، تمارس انتشاراً ونشاطاً على أرض الواقع التونسي بين الشباب منذ سنوات عديدة.

هذه الحركة أسست من قبل مجموعة من الشبان على الأنترنيت تحت أسماء حركية مختلفة وذلك من سنة 1988، وكانت قد ابتدأت بشخصين ومن ثم تزايد عدد أعضائها تدريجياً لتصبح حركة تهيمن بقوة على واقع حياة الشباب التونسي. ولا بد من الإشارة أن الداعم لنشوء قنوات اتصال بين هذه الحركة الشبابية “تكريز” وجيل الشباب كان اعتمادها على استخدام لغة ذات مصطلحات ومفردات شعبية قادمة من الشارع التونسي لا تحمل أي تكلف، لا بل في بعض الأحيان كانت بعض المفردات المستخدمة تنحو إلى السوقية، وذلك بهدف تحقيق أعمق تواصل مع الشباب التونسي. حيث كان هدف هذه الحركة التخلص من النظام الاستبدادي التونسي، كما كان القائمين عليها صادقين ومخلصين لغايتهم بعيدين كل البعد عن اغراءات الظهور والعظمة الأنوية، لهذا كان لهم دوراً فعالاً في التحريض والتواصل مع تلك الانتفاضة.

وهذا يرجعنا إلى أزمة القطيعة و فقدان قنوات التواصل ما بين قادة الفكر في المجتمعات العربية وأفرادها، والتي مهدت (أي القطيعة) الطريق إلى ملامسة الحركات الإسلامية لمشاعر الجيل الشاب المحروم، القابع تحت أجنحة الظلم، لا بل أكثر من ذلك، جعلت هذا الجيل يعاني من حالة وحدة وحرمان قاسية، تشبه كثيراً حالة طفل كان قد فقد ذويه.

ضمن ظروف كهذه، كان من السهل على الإسلاميين مد التواصل بينهم وبين أطياف المجتمع خاصة انهم كانوا يملكون برنامجاً اجتماعياً وجمعيات مساعدة مالية، ناهيك على أنهم يتقنون لغة ومفردات تؤجج مشاعر الكثير من سامعيها. انها لغة العاطفة وعدم التمييز. بينما لم يكن أغلب مثقفينا يملكون إلا لغة متعجرفة شائكة ذات تعابير متكلفة، مقصيين أي فكر لا يستسيغوه.

إضافة إلى أسباب أخرى كانت قد مهدت الأرضية المناسبة لانتشار الفكر الأصولي الإسلامي، منها انعدام الثقة في المشروع القومي العربي، فقد استطاع الإسلاميون استغلال مشاعر الانكسار هذه لدى الشعوب العربية الرازخة تحت ثقل شعورها بالهزيمة، وحاجتها إلى هوية أشمل من الهوية الوطنية. هذا الخلل في الثقة القادم من احتواء الأنظمة القمعية لنضالات حركات التحرر العربية بهدف فتح جبهات خارجية تمنحها المبرر للتحكم بمصائر شعوبها. ولهذا كان من السهل على الإسلاميين دغدغة الحاجة النفسية لهذه الشعوب الباحثة عن نصر تاريخي لتعويضه بهوية إسلامية أكثر شمولية من الهوية العربية.

آن الأوان أن تجابه هذه الشعوب واقعها وأن تتخلى عن أية هوية جماعية، والسعي نحو تعزيز قيمة الفرد كي ينعم في مساحة من الحرية من اجل تحقيق التقدم الإيجابي على المستوى الفردي ومن ثم الجماعي. لا يمكن لأي فرد أن يقدم للآخرين ما يفتقده، لأن حالة السعادة والاكتفاء الفردي عاملان مهمان في سيرورة العطاء.

لننتقل إلى عامل آخر ساعد في انتشار الإسلاميين ألا وهو اعتماد الغرب لغة مزدوجة، فهناك هوة مابين مجاهرته في ديمقراطيته وشرعة حقوق الإنسان، وبين دعمه لبعض لكثير من الأنظمة القمعية المنسجمة سياساتها مع مصالحه، فمثلاً بالرغم من معارضة الغرب وبالأخص الولايات المتحدة لعمليات هتك حقوق الإنسان، إلا أنها لا تبث بشفة إزاء سلوك حليفتها العائلة المالكة السعودية التي تستبد بمجتمعها وتنتهك حقوق الإنسان على أبلغ وجه. السعودية ليست الدولة الوحيدة في العالم العربي التي تنتهك حقوق الإنسان، إلا انني ذكرتها بالتحديد لأنها بؤرة الإسلاميين، فهي الممول الأساسي والمحرك في أسلمة المجتمعات العربية وغيرها.

بالنسبة لي، لا يمكن الحد من الخطر الإسلامي الأصولي إلا من خلال وقفة صريحة للغرب للحد من التطاول الاستبدادي لحلفائه، فيقطع مع هذه الأنظمة القمعية وعلى رأسهم المملكة السعودية.

لقد آن الأوان للغرب أن يثق كما آن الأوان لنا أن نثق بالجيل الشاب الساعي للتغيير، فهم صنعة الأقدار، وقد برهن شباب تونس و مصر على ذلك بعد أن تجاوزوا عرقلة المستبد كما تجاوزوا أيضاً مفكريهم ومنظريهم، ليضحوا بدورهم قادة للفكر العربي ومعلماً لهؤلاء المستوين على عرش من كلمات وعبارات خارجة لا تبت للواقع الحياتي واليومي بصلة، كما استطاعوا أن يوجهوا صدمة لسياسيي الغرب المبتلين بآفة الغرور والوهم بأنهم صانعي مصائر الشعوب.

المصدر : الشارع المنتفض صانع مصائر الشعوب

الصفحة : 1 – 2 – 3 – 4 – 5